منوعات

الاذ.ى لا يمكن اصلاحه

ومسح دموعه، ثم التفت إلى خالد وقال بحزم
أريد هذا المجسم في مكتبي ابتداءً من اليوم.
ثم نظر إلى طارق وأضاف
وأريد أن تبدأ إجراءات إنشاء المركز فورًا، حتى لو اضطررت إلى تأجيل كل مشروعاتي التجارية الأخرى.
ابتسم خالد وقال
سيكون أول مشروع يحمل اسم والدك.
هز إبراهيم رأسه وقال
لا… لن يحمل اسمه وحده.
نظر إليه خالد مستفسرًا.
فقال إبراهيم
سيحمل اسم كل إنسان ساهم في بداية هذا المصنع، ولو بكلمة تشجيع أو ساعة عمل. هذا المكان بُني بأيدي كثيرين، وليس بيدي وحدي.

وبينما كانوا يستعدون لمغادرة الورشة، لمح طارق صندوقًا معدنيًا صغيرًا أسفل الطاولة القديمة.
انحنى والتقطه.
كان الصندوق مغلقًا، لكن لم يكن عليه قفل.
فتحه بحذر.
وفي داخله وجد دفترًا صغيرًا، وإيصالًا مصرفيًا قديمًا، ورسالة مطوية.
ناولها إلى إبراهيم.
فتح إبراهيم الرسالة، وبدأ يقرأ بصمت.
وبعد سطور قليلة، ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يرها خالد منذ سنوات.
رفع رأسه وقال بهدوء
يبدو أن أبي لم يترك لي الذكريات فقط…
ثم طوى الرسالة بعناية، ووضعها في جيبه، وأضاف
لقد ترك لنا بداية فصل جديد.

وظل خالد وطارق ينظران إليه في حيرة، ينتظران أن يخبرهما بما قرأ، لكنه اكتفى بالابتسام، وأغلق الصندوق بنفسه، وكأن الوقت لم يحن بعد لكشف ما بداخله خرج الثلاثة من الورشة، لكن إبراهيم طلب من خالد أن يعود بعد ساعة مع فريق صغير لتنظيف المكان، مع التأكيد على ألا يُلقى أي شيء في القمامة.
قال بحزم
حتى أصغر قطعة خشب هنا لها ذكرى.
أومأ خالد موافقًا، ثم انصرف لتنفيذ ما طلبه.
أما إبراهيم وطارق، فعادا إلى المستشفى

لإكمال العلاج.
وفي المساء، وبعد أن هدأت الحركة في الممرات، أخرج إبراهيم الرسالة التي وجدها في الصندوق المعدني.
نظر إلى طارق وقال
أعتقد أن من حقك أن تسمع ما فيها.
فتح الرسالة وبدأ يقرأ
يا إبراهيم…
إذا وصلت إلى هذه الورقة، فاعلم أنني نفذت أمرًا لم أخبرك به في حياتي، لأنني أردت أن يكون مفاجأة لك عندما تنضج بما يكفي لتحملها.
ثم أكمل القراءة
في العام الأخير من حياتي، اشتريت قطعة أرض صغيرة على أطراف المدينة، وسجلتها باسمك، لكنني طلبت ألا تُنقل إليك أوراقها إلا في الوقت الذي تفتح فيه هذا الصندوق.

رفع إبراهيم عينيه إلى طارق وقال
قطعة أرض؟! لم أكن أعلم بوجودها.
أكمل القراءة
إذا كانت الأرض ما زالت كما هي، فلا تبعها مهما ارتفع ثمنها، فقد اخترتها لتكون المكان الذي يُبنى عليه مركز علاج الأطفال الذي حلمنا به.
ساد الصمت.
ثم فتح إبراهيم الإيصال المصرفي القديم.
كان مرفقًا به رقم حساب وأوراق تثبت أن والده كان يودع مبلغًا صغيرًا كل شهر في صندوق استثماري باسمه.
قال طارق بدهشة
هل بقي هذا الحساب حتى الآن؟
ابتسم إبراهيم وقال
إذا بقي موجودًا، فقد يكون قد نما طوال هذه السنوات.

وفي صباح اليوم التالي، توجه إبراهيم مع خالد إلى البنك للاستفسار عن الحساب.
وبعد مراجعة السجلات القديمة، عاد مدير البنك بنفسه، يحمل ملفًا سميكًا.
قال باحترام
أستاذ إبراهيم… هذا الحساب لم يُغلق أبدًا، بل ظل يستثمر تلقائيًا وفق تعليمات ثابتة.
شعر إبراهيم بأن قلبه يخفق بقوة.
فتح المدير الملف، ثم ابتسم وقال
يبدو أن والدك كان بعيد النظر.
تبادل إبراهيم وخالد النظرات في

ترقب، بينما بدأ المدير يقلب الصفحات استعدادًا لإخبارهما بما آل إليه ذلك الاستثمار بعد أكثر من عشرين عامًا جلس إبراهيم بهدوء أمام مكتب مدير البنك، بينما كان خالد وطارق ينتظران في صمت.
أغلق المدير الملف للحظة، ثم قال
قبل أن أخبرك بقيمة الحساب، هناك شيء يجب أن تعرفه.
نظر إليه إبراهيم باهتمام.
أخرج المدير ورقة قديمة موقعة من والد إبراهيم، وقال
والدك لم يفتح هذا الحساب من أجل الادخار فقط، بل وضع شرطًا واضحًا. نص الشرط يقول لا تُصرف هذه الأموال في التجارة أو شراء العقارات، وإنما تُستخدم في مشروع يعود نفعه على الناس.

ابتسم إبراهيم وهو يتمتم
حتى هنا… كان يفكر في الخير.
فتح المدير شاشة الحاسوب، وأدخل بيانات الحساب، ثم قال
بفضل الاستثمارات المتراكمة على مدار السنوات، أصبح رصيد الصندوق اليوم يكفي ليكون بداية ممتازة لأي مشروع خيري تخطط له.
لم يهتم إبراهيم بالرقم بقدر ما اهتم بفكرة والده.
قال وهو يغلق الملف
إذًا سيكون هذا أول مبلغ يُخصص لبناء المركز.
صافحه مدير البنك باحترام وقال
أعتقد أن والدك لو كان بيننا اليوم لفخر بك.
خرج إبراهيم من البنك، ووقف أمام المبنى يتأمل السماء.

ثم التفت إلى خالد وقال
أريد أن نبدأ الإجراءات الرسمية اليوم، لا الأسبوع القادم.
ابتسم خالد وأخرج دفتر ملاحظاته.
أول خطوة؟
قال إبراهيم دون تردد
نذهب إلى قطعة الأرض التي اشتراها أبي.
بعد أقل من ساعة، وصلوا إلى أطراف المدينة.
كانت الأرض واسعة، تحيط بها الأشجار من ثلاث جهات، وتقع بالقرب من طريق رئيسي ومستشفى حكومي.
وقف إبراهيم في منتصفها، وأخذ نفسًا عميقًا.
ثم

قال
هنا…
نظر إليه طارق مستفسرًا.
أكمل إبراهيم
هنا سيقف المبنى الذي حلم به أبي.
وفي تلك اللحظة، توقفت سيارة بيضاء أمام الأرض.
نزل منها رجل مسن يحمل حقيبة جلدية، واتجه نحو إبراهيم.
ابتسم الرجل وقال
السلام عليكم… هل أنت الأستاذ إبراهيم السالم؟
نعم، تفضل.
أخرج الرجل بطاقة تعريف وقال
أنا المهندس الذي صمم هذا المشروع قبل أكثر من عشرين عامًا مع والدك.
ساد الصمت.
ثم فتح الحقيبة، وأخرج أنبوبًا كبيرًا لحفظ المخططات الهندسية.
ووضعه برفق فوق مقدمة السيارة.

وقال بابتسامة
احتفظت بهذه الرسومات طوال هذه السنوات… لأن والدك كان يقول دائمًا سيأتي يوم يعود فيه إبراهيم ليكمل ما بدأناه.
نظر إبراهيم إلى المخططات، وشعر أن حلم والده لم يعد مجرد ذكرى…
بل أصبح أقرب إلى الحقيقة من أي وقت مضى أخذ إبراهيم أنبوب المخططات بكلتا يديه، وكأنه يحمل إرثًا أثمن من أي ثروة.
فتح المهندس الأسطوانة برفق، ومد الرسومات فوق غطاء السيارة.
كانت الأوراق قد اصفر لونها مع مرور الزمن، لكنها بقيت محفوظة بعناية.

قال المهندس وهو يشير إلى أحد المخططات
هنا المدخل الرئيسي… وهنا قسم الأطفال… أما هذه المساحة، فقد أصر والدك أن تكون حديقة يستطيع الصغار اللعب فيها أثناء فترة العلاج.
شعر إبراهيم بغصة في حلقه.
قال بصوت متهدج
كان يحلم بكل هذه التفاصيل؟
ابتسم المهندس وأجاب
بل كان يأتي كل أسبوع تقريبًا ليضيف فكرة جديدة. وكان يقول لي دائمًا ربما لا أعيش حتى أرى هذا المكان، لكن يكفيني أن أزرع بذرته.
سكت الجميع احترامًا لذكرى الرجل.

ثم قال إبراهيم بحزم
لن نغير التصميم إلا
إذا كان ذلك ضروريًا وفق المعايير الحديثة، أما روح المشروع فستبقى كما أرادها أبي.
هز المهندس رأسه موافقًا.

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى