
وفي أثناء حديثهم، اقترب رجل مسن كان يرعى أغنامه بالقرب من الأرض.
نظر إلى إبراهيم طويلًا، ثم قال
هل أنت ابن الحاج سالم؟
ابتسم إبراهيم وقال
نعم، أنا ابنه.
تهللت أسارير الرجل وقال
رحم الله أباك. كان يزور هذه الأرض كل شهر تقريبًا، ويقول لنا سيأتي يوم تسمعون فيه ضحكات الأطفال هنا.
تأثر إبراهيم بكلمات الرجل، وشعر أن والده كان يعيش بهذا الحلم حتى آخر أيامه.
وقبل أن يغادروا، التفت إبراهيم إلى خالد وقال
أريد عقد اجتماع غدًا في المصنع.
سأله خالد
مع الإدارة؟
ابتسم إبراهيم وقال
مع الجميع… الإدارة والعمال والموظفين، كل من شارك في بناء هذا المكان.
وفي صباح اليوم التالي، امتلأت قاعة
المصنع بالعاملين.
وقف إبراهيم أمامهم، ونظر إلى الوجوه التي رافقته سنوات طويلة.
ثم قال
عندما بدأت هذا المصنع، كنت أحلم بالنجاح فقط. لكنني اليوم أدركت أن النجاح الحقيقي هو أن يترك الإنسان
أثرًا طيبًا بعده.
ساد الصمت في القاعة.
وأكمل
لذلك، أعلن أمامكم اليوم أن مشروع مركز الأمل لعلاج الأطفال قد بدأ رسميًا، وسيكون هذا المصنع أول الداعمين له.
تعالت التصفيقات، وارتسمت الفرحة على وجوه الجميع.
لكن في آخر القاعة، كان يقف رجل يرتدي بدلة رمادية، يتابع المشهد بصمت، ثم أغلق حقيبته الجلدية واستدار ليغادر دون أن يلفت انتباه أحد.
لم يعرف أحد من يكون…
لكن نظراته كانت توحي بأنه جاء من أجل سبب مهم، وأن دخوله حياة إبراهيم لم يكن مصادفة توقف الرجل الذي كان يقف في آخر قاعة الاجتماع، ثم عاد بخطوات هادئة حتى وقف أمام إبراهيم.
مد يده قائلًا
اسمي ناصر… كنت صديقًا لوالدك.
صافحه إبراهيم باحترام، ثم دعاه إلى مكتبه.
ما إن أغلق الباب حتى أخرج ناصر من حقيبته دفترًا صغيرًا قديمًا.
قال مبتسمًا
هذا آخر شيء كان مع والدك قبل وفاته. احتفظت به كل هذه السنوات، لأنني وعدته
ألا أسلمه إلا عندما أراك مستعدًا لتحمل رسالته.
فتح إبراهيم الدفتر، فوجد في الصفحة الأولى عبارة قصيرة
إذا وصلت إلى هنا… فأنت لم تخذلني.
لم يتمالك نفسه، وانهمرت دموعه.
قال ناصر
والدك كان يعلم أنك ستنجح في التجارة، لكنه كان يدعو الله دائمًا أن تنجح في أن تكون إنسانًا قبل أن تكون رجل أعمال.
مرّت الشهور…
وبدأت الأرض التي اشتراها والده تتحول إلى ورشة بناء كبيرة.
كان إبراهيم يزور الموقع كل صباح قبل الذهاب إلى المصنع، ويتابع بنفسه أدق التفاصيل.
أما طارق، فقد أصبح مسؤولًا عن التنسيق مع المستشفى واختيار الأجهزة الطبية، مستفيدًا من خبرته في الإسعاف.
وبعد عامين من العمل المتواصل، وقف الجميع أمام المبنى الجديد.
ارتفعت على واجهته لافتة كبيرة كُتب عليها
مركز الأمل لعلاج الأطفال هدية من الحاج سالم وابنه إبراهيم إلى كل أسرة تحتاج إلى الأمل.
كان يوم الافتتاح مليئًا
بالفرح.
دخل أول طفل إلى المركز، ثم الثاني، ثم العاشر.
وكان العلاج يُقدم لغير القادرين دون مقابل.
وفي ذلك اليوم، أمسك إبراهيم بيد طارق، وقال أمام الجميع
قبل سنوات دخلتُ المستشفى أظن أنني خسرت كل شيء… لكنني اكتشفت أن أعظم ثروة يمكن أن يملكها الإنسان هي أن يترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
ثم التفت إلى الحضور وأضاف
المصنع سيبقى يعمل، والأموال قد تزيد أو تنقص، لكن هذا المكان هو الاستثمار الذي أتمنى أن يبقى حتى بعد رحيلي.
تعالت التصفيقات، بينما وقف الأطفال في الحديقة يضحكون ويلعبون، تمامًا كما رسم والد إبراهيم في مخططه القديم.
رفع إبراهيم بصره إلى السماء، وابتسم وهو يهمس
الحمد لله… لقد اكتمل الحلم يا أبي.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يذكرون إبراهيم السالم بوصفه واحدًا من أغنى رجال الأعمال في المدينة…
بل بوصفه الرجل الذي حوّل نجاحه إلى رحمة، وثروته إلى
أمل، وحقق وصية والده بعد أكثر من عشرين عامًا.
تمت.