
كنت تقرأ هذه الكلمات، فأرجو أن تكون قد تعلمت أن النجاح الحقيقي ليس فيما تجمعه، بل فيما تتركه بعد رحيلك.
ثم رفع الورقة التالية، فوجد قائمة بأسماء عشرات الأشخاص.
نظر باستغراب وقال
من هؤلاء؟
ابتسم المحامي عبد الرحمن وقال
هؤلاء هم أوائل العاملين الذين وقفوا مع والدك عندما أسس الورشة الصغيرة. بعضهم أقرضه مالًا، وبعضهم عمل أشهرًا كاملة دون أن يطلب أجره حتى يقف المشروع على قدميه.
صمت إبراهيم طويلًا.
كان يعرف بعض الأسماء، لكن كثيرًا منها غاب عن ذاكرته مع مرور السنوات.
أكمل المحامي
والدك كتب ملاحظة بخط يده، قال فيها إذا أصبح إبراهيم قادرًا، فليبحث عن هؤلاء أو عن أبنائهم، وليشكرهم بما يستطيع. فالفضل لا يسقط بالتقادم.
أغلق إبراهيم الملف وهو يشعر بثقل المسؤولية.
ثم قال بحزم
سنبدأ من أول اسم في القائمة.
نظر إليه خالد وقال
حتى لو استغرق الأمر أشهرًا؟
ابتسم إبراهيم وقال
ولو استغرق سنوات.
خرج الثلاثة من المكتب، وكان كل واحد منهم يحمل شعورًا مختلفًا.
أما إبراهيم، فكان يشعر أن رحلة جديدة بدأت… رحلة لا تهدف إلى زيادة ثروته، بل إلى رد الجميل لكل من ساهم، ولو بكلمة طيبة، في بناء حياته.
وفي أثناء نزولهم درجات المبنى، أوقفهم المحامي فجأة ونادى
أستاذ إبراهيم… نسيت أهم شيء.
التفت إبراهيم إليه.
أخرج المحامي مفتاحًا فضيًا صغيرًا من جيبه، وقال
والدك طلب مني ألا أسلمك هذا المفتاح إلا بعد أن تقرأ الرسالة كاملة… وقال لي سيعرف بنفسه الباب الذي يفتحه.
أمسك إبراهيم بالمفتاح، وتأمله في حيرة، بينما لم يكن أحد منهم يعلم إلى أي باب ينتمي هذا المفتاح… ولا ماذا ينتظرهم خلفه في طريق العودة، ظل إبراهيم صامتًا أغلب الوقت.
كان ينظر من نافذة السيارة إلى الناس في الشوارع؛ عامل يحمل أدواته، وأم تمسك بيد طفلها،
ورجل مسن يجلس أمام متجر صغير.
ابتسم لنفسه وقال
كنت أظن أن النجاح يعني أن أكبر الشركة كل عام… لكن يبدو أن النجاح الحقيقي شيء آخر.
التفت إليه خالد وسأله
إلى أين نذهب الآن؟ المستشفى؟
هز إبراهيم رأسه وقال
قبل المستشفى… أريد المرور على المصنع.
نظر خالد إلى ساعته وقال
لن نستغرق وقتًا طويلًا.
وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام بوابة المصنع الكبيرة.
وما إن نزل إبراهيم حتى انتشر الخبر بين العمال في ثوانٍ.
خرج الجميع من الورش، واصطفوا في ساحة المصنع، وقد ارتسمت الفرحة على وجوههم.
تقدم عم حسن أولًا وقال
الحمد لله على سلامتك يا أستاذ إبراهيم.
ثم تبعه بقية العمال، وكل واحد منهم كان يطمئن عليه وكأنه يطمئن على أحد أفراد أسرته.
تأثر إبراهيم كثيرًا، وقال بصوت امتزجت فيه السعادة بالامتنان
أشكركم جميعًا… وأسأل الله أن يجمعنا دائمًا على الخير.
ثم طلب من خالد أن يجمع رؤساء الأقسام في قاعة الاجتماعات.
جلس الجميع ينتظرون ما سيقوله.
فتح إبراهيم الحديث بهدوء
طوال السنوات الماضية كنتم شركاء النجاح الحقيقيين، وليس مجرد موظفين.
ساد الصمت داخل القاعة.
ثم أكمل
لذلك قررت إنشاء صندوق دائم لدعم العاملين في المصنع، يُخصص لمساعدة من يمر بظرف صحي أو اجتماعي، ولتقديم منح دراسية لأبناء العاملين المتفوقين.
نظر العمال إلى بعضهم في دهشة، ثم دوى التصفيق في القاعة.
أما طارق، الذي كان يقف عند الباب، فقد شعر أن كلمات والد إبراهيم بدأت تتحول إلى واقع.
وقبل انتهاء الاجتماع، التفت إبراهيم إلى خالد وقال
أريد أيضًا أن تبدأ من الغد في البحث عن قطعة أرض مناسبة.
سأله خالد
لأي مشروع؟
ابتسم إبراهيم وهو يضع يده على الدفتر الجلدي الذي تركه له والده، وقال
للمشروع الذي تأخر اثنين وعشرين عامًا… مركز يعالج الأطفال غير القادرين،
ويكون بابه مفتوحًا لكل محتاج.
امتلأت عينا طارق بالدموع، لأنه تذكر شقيقته مريم، لكنه لم ينطق بكلمة.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف إبراهيم.
نظر إلى الشاشة، فإذا بالمتصل رقمًا غير مسجل.
أجاب بهدوء
السلام عليكم.
جاءه صوت رجل كبير في السن يقول
وعليكم السلام يا أستاذ إبراهيم… اسمي عبد الرحمن، وأنا محامي والدك الراحل.
وصلتني أخبار خروجك من المستشفى، وأعتقد أن الوقت قد حان لأسلمك شيئًا احتفظت به أكثر من عشرين عامًا… تنفيذًا لوصية والدك.
تبادل إبراهيم وخالد وطارق النظرات في صمت.
وأدرك إبراهيم أن الرسائل التي تركها والده لم تنتهِ بعد، وأن هناك سرًا آخر ينتظره ظل إبراهيم يقلب المفتاح الفضي بين أصابعه طوال الطريق.
لم يكن يشبه مفاتيح البيوت الحديثة، ولا مفاتيح السيارات أو الخزائن.
كان مفتاحًا قديمًا، نُقش على رأسه رقم صغير
24
قال خالد وهو يقود السيارة
هل تتذكر شيئًا له علاقة بهذا الرقم؟
هز إبراهيم رأسه بالنفي.
أما طارق فقال
ربما يكون تابعًا لعقار قديم أو مستودع.
ابتسم إبراهيم وقال
أبي لم يكن يفعل شيئًا بلا سبب. إذا ترك هذا المفتاح، فلا بد أنه كان يعلم أنني سأحتاج إليه يومًا.
وفجأة، توقف عن الكلام.
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما بسرعة وقال
الرقم 24… شارع الورش القديمة!
نظر إليه خالد باستغراب.
تقصد أول ورشة بدأت فيها؟
أجاب إبراهيم بحماس
نعم… كانت تحمل الرقم 24 قبل أن تُهدم المنطقة ويُنقل النشاط إلى المنطقة الصناعية.
استدار خالد بالسيارة فورًا، واتجهوا نحو الحي القديم.
كانت المباني قد تغيرت كثيرًا، لكن بعض الأزقة الضيقة ما زالت كما هي.
ترجل إبراهيم ببطء، مستندًا إلى عصاه، وسار حتى وصل إلى مبنى حجري قديم يكاد يختفي خلف الأشجار.
نظر إلى اللافتة الصدئة المعلقة على الباب.
رغم بهتانها، ما
زالت الكلمات تُقرأ
ورشة السالم للنجارة
تجمد إبراهيم في مكانه.
مرر يده على اللافتة، وأغمض عينيه، وكأن ذكريات عمر كامل عادت إليه في لحظة واحدة.
قال بصوت متأثر
هنا تعلمت أول درس في الحياة… وهنا كان أبي يقف كل صباح قبل شروق الشمس.
اقترب من الباب الخشبي الكبير.
وجد فيه قفلًا قديمًا.
أخرج المفتاح الفضي من جيبه.
نظر إليه طارق وقال
يبدو أنه المفتاح الصحيح.
أدخل إبراهيم المفتاح في القفل.
دار بسهولة، وكأنه استُخدم بالأمس فقط.
صدر صوت خافت…
ثم انفتح الباب ببطء، وانبعثت منه رائحة الخشب القديمة التي لم تتغير رغم مرور السنين.
دخل الثلاثة إلى الداخل.
كانت الورشة مغطاة بالغبار، لكن كل شيء تقريبًا بقي في مكانه؛ منضدة النجارة، والمطارق، والمناشير اليدوية، وحتى الكرسي الذي كان يجلس عليه والد إبراهيم.
وفي زاوية الورشة، كان هناك ستار قماشي قديم يغطي شيئًا كبيرًا.
اقترب إبراهيم بخطوات بطيئة، ومد يده إلى الستار.
ثم سحبه في هدوء…
فتجمد في مكانه، واتسعت عيناه من الدهشة، دون أن ينطق بكلمة تبادل خالد وطارق النظرات، ثم اقتربا ببطء.
وخلف الستار، لم تكن هناك خزائن مليئة بالمال، ولا صناديق ذهب كما تخيلا.
بل كان هناك مجسم خشبي كبير، صُنع بإتقان شديد، لمبنى يحمل لوحة صغيرة كُتب عليها
مركز الأمل لعلاج الأطفال.
وقف إبراهيم مذهولًا، ثم مرر يده على المجسم بحنان، وكأنه يلامس حلمًا عاش معه سنوات طويلة.
همس بصوت اختلطت فيه الدموع بالابتسامة
لقد صنعه أبي…
إلى جوار المجسم وجد لوحة خشبية أخرى، نُقشت عليها عبارة بخط جميل
إذا رأيت هذا المجسم، فلا تؤجل الخير مرة أخرى.
لم يتمالك إبراهيم نفسه، فجلس على الكرسي القديم الذي كان يجلس عليه والده، وأطرق رأسه.
ساد المكان صمت عميق، لم يقطعه إلا صوت المطر الخفيف الذي
عاد يتساقط فوق سقف الورشة.
اقترب طارق ووضع يده برفق على كتف إبراهيم، دون أن يقول كلمة.
بعد لحظات، نهض إبراهيم،