منوعات

الاذ.ى لا يمكن اصلاحه

إلى الأستاذ إبراهيم شخصيًا.
رفع إبراهيم رأسه باستغراب.
وأين هي الآن؟
أخرج خالد ظرفًا أبيض سميكًا من حقيبته ووضعه فوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير.
كان الظرف مغلقًا بإحكام، ولا يحمل أي علامة تدل على صاحبه.
نظر إليه إبراهيم لثوانٍ، ثم مد يده نحوه ببطء.
قال طارق، الذي كان يقف قريبًا
هل تريدني أن أفتحه؟
ابتسم إبراهيم وقال
لا… سأفتحه بنفسي.
أدار الظرف بين يديه، وشعر أن بداخله أوراقًا وصندوقًا صغيرًا.

تبادل طارق وخالد النظرات في صمت، بينما بدأ إبراهيم يفتح الظرف بحذر…
وما إن أخرج أول ورقة منه، حتى تغيرت ملامح وجهه فجأة، وكأنه قرأ شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا أمسك إبراهيم بالورقة بكلتا يديه، وأعاد قراءتها مرة أخرى ليتأكد أنه لم يخطئ في فهمها.
لم تكن رسالة تهديد، ولا مطالبة بمال.
بل كانت رسالة قصيرة مكتوبة بخط يدٍ قديم
الخير الذي تزرعه لا يضيع أبدًا… وقد حان الوقت لتعرف أثره.
تبادل خالد وطارق النظرات في حيرة.
وسأل خالد
من أرسلها؟
هز إبراهيم رأسه وقال
لا أعرف… لكن هذا الخط مألوف جدًا.

ثم أخرج من الظرف صندوقًا خشبيًا صغيرًا، صُنع بإتقان لافت، يشبه الصناديق التي كان يصنعها بنفسه في بداية حياته عندما كان نجارًا.
فتح الصندوق بحذر، فوجد بداخله مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، وبطاقة صغيرة كُتب عليها
الخزانة رقم 17… بنك الأمانات.
نظر إبراهيم إلى البطاقة طويلًا، ثم قال بصوت خافت
لم أذهب إلى بنك الأمانات منذ سنوات طويلة.
اقترب طارق وسأله
وهل لديك خزانة هناك؟
أجاب إبراهيم بعد لحظة صمت
نعم… لكنها تعود إلى أكثر من عشرين عامًا، وكنت أظن أنها أُغلقت منذ زمن.

قال خالد باستغراب
إذن لا بد أن هناك من يعرف شيئًا لا نعرفه.
أعاد إبراهيم كل شيء إلى الصندوق، وأغلقه بعناية، ثم قال
يبدو أن

عليّ الذهاب إلى هناك بمجرد أن يسمح الأطباء بخروجي.
في اليوم التالي، تحسنت حالته قليلًا، وسمح له الطبيب بالخروج لساعات محدودة مع مرافق، على أن يعود إلى المستشفى مساءً.
أصر طارق على مرافقته، بينما قاد خالد السيارة.
كان الطريق هادئًا بعد توقف المطر، لكن قلب إبراهيم كان يمتلئ بالأسئلة.
من أرسل الرسالة؟
ولماذا الآن تحديدًا؟
وصلوا إلى مبنى بنك الأمانات القديم، الذي لم يتغير شكله منذ سنوات.
استقبلهم الموظف باحترام، وبعد التحقق من هوية إبراهيم، اصطحبهم إلى الطابق السفلي حيث كانت الخزائن الحديدية مصطفة في صفوف طويلة.

توقف الموظف أمام خزانة تحمل الرقم 17.
ابتسم وقال
لم تُفتح هذه الخزانة منذ أكثر من عشرين عامًا.
أخرج إبراهيم المفتاح النحاسي من جيبه، وأدخله في القفل ببطء.
صدر صوت خافت…
ثم انفتح الباب الحديدي ببطء شديد.
نظر إبراهيم إلى الداخل، واتسعت عيناه من الدهشة، بينما وقف طارق وخالد في صمت، ينتظران أن يعرفا ما الذي ظل محفوظًا في هذه الخزانة طوال كل تلك السنوات مدَّ إبراهيم يده إلى داخل الخزانة بحذر، ثم أخرج صندوقًا خشبيًا متوسط الحجم، كان مغطى بطبقة رقيقة من الغبار.

وضعه على الطاولة المعدنية، وظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة دون أن يتكلم.
قال طارق بهدوء
هل تعرف ما بداخله؟
ابتسم إبراهيم ابتسامة خفيفة وقال
لا… لكنني أعرف متى وضعته هنا.
نظر إليه خالد باستغراب، فأكمل إبراهيم
منذ اثنين وعشرين عامًا، عندما كان المصنع لا يزال صغيرًا، مررت بأصعب فترة في حياتي. كانت الديون تحاصرني، وكدت أفقد كل شيء. في ذلك الوقت، نصحني والدي أن أحتفظ في هذا الصندوق بكل ما لا يُقدَّر بثمن، لا بكل ما يُباع بالمال.
فتح إبراهيم الصندوق ببطء.
لم يجد سبائك ذهب، ولا رزمًا من النقود.

بل وجد دفترًا جلديًا
قديمًا، ومجموعة صور، ورسائل مطوية بعناية.
رفع أول صورة، فظهر فيها شاب في مقتبل العمر يقف أمام ورشة نجارة متواضعة، وإلى جواره رجل مسن يضع يده على كتفه ويبتسم بفخر.
تنهد إبراهيم وقال
هذا والدي… رحمه الله.
ثم فتح الدفتر، فإذا بصفحاته مليئة بخط والده.
في كل صفحة كانت هناك نصيحة قصيرة، كتبها له قبل وفاته.
قرأ إبراهيم بصوت مسموع
إذا أغناك الله، فلا تجعل المال أكبر من قلبك.
وقلب الصفحة التالية
الرجل يُعرف بما يتركه في قلوب الناس، لا بما يتركه في حساباته.

أما الصفحة الأخيرة، فقد توقفت عيناه عندها طويلًا.
ساد الصمت.
سأل طارق بخفوت
ماذا كُتب فيها؟
ابتسم إبراهيم، لكن عينيه امتلأتا بالدموع، ثم أغلق الدفتر برفق وقال
هذه الوصية… غيّرت حياتي يوم قرأتها لأول مرة، ويبدو أنها ستغيّرها مرة أخرى.
وفي أسفل الصندوق، وجد ظرفًا آخر لم يكن يتذكر وجوده.
كان مختومًا بالشمع الأحمر، ومكتوبًا عليه بخط والده
لا يُفتح إلا عندما تشعر أن العمر علّمك معنى المسؤولية.
نظر إبراهيم إلى الظرف، ثم أمسكه بين يديه، وتردد للحظات قبل أن يبدأ بفك الختم القديم…تنفس إبراهيم بعمق، ثم كسر ختم الشمع بحذر شديد.

فتح الظرف، وأخرج منه عدة أوراق صفراء مر عليها الزمن، وفي أعلاها رسالة بخط والده.
بدأ يقرأ بصوت خافت
يا إبراهيم…
إذا وصلت إلى هذه الرسالة، فأعلم أن الله منحك عمرًا طويلًا وتجارب كثيرة.
تذكّر دائمًا أن المال أمانة، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يقدمه للناس.
سكت قليلًا، ثم أكمل القراءة
لقد تركت لك هذا الظرف لأنني كنت أخشى أن تنشغل يومًا بالأعمال وتنسى حلمنا القديم.
توقفت يد إبراهيم فجأة.
همس
حلمنا القديم…
نظر إليه طارق باهتمام.

قال إبراهيم
كنت أنا وأبي نحلم ببناء مركز لعلاج الأطفال غير القادرين،
لكن بعد وفاته انشغلت بتوسيع المصنع، وكل عام كنت أقول سأبدأ العام القادم.
طأطأ رأسه في صمت.
ثم فتح الورقة التالية، فوجد رسمًا هندسيًا بسيطًا لمبنى صغير، وتحت الرسم عبارة كتبها والده
إذا وسّع الله عليك، فاجعل أول توسعٍ في الخير.
ابتسم خالد وقال
كأن الرسالة كُتبت اليوم.
أومأ إبراهيم برأسه، ثم أعاد الأوراق إلى الظرف بعناية.
وفي أثناء ذلك، لاحظ طارق وجود مغلف صغير في أسفل الصندوق لم ينتبهوا إليه من قبل.

كان مكتوبًا عليه
إلى أول شخص تثق بأنه يستحق أن يحمل الخير من بعدك.
نظر إبراهيم إلى المغلف طويلًا، ثم رفع عينيه نحو طارق.
ابتسم، لكنه لم يمد يده إليه.
قال بهدوء
ليس الآن… لكل شيء وقته.
أغلق الصندوق، وحمله بين يديه وكأنه يحمل ذكرى عمر كامل.
وأثناء خروجهم من البنك، كان في ذهن إبراهيم قرار بدأ يتشكل بوضوح، قرار لن يغيّر حياته وحده، بل سيغيّر حياة أشخاص كثيرين.

لكن أحدًا لم يكن يعلم بعد ما هو ذلك القرار في صباح اليوم التالي، خرج إبراهيم من المستشفى بإذن مؤقت، واتجه بصحبة خالد وطارق إلى مكتب المحامي عبد الرحمن.
كان المكتب يقع في مبنى قديم وسط المدينة، تزين جدرانه رفوف مليئة بالملفات والكتب القانونية التي تراكمت عبر عشرات السنين.
ما إن دخل إبراهيم حتى نهض المحامي، وصافحه بحرارة وقال
الحمد لله على سلامتك يا أستاذ إبراهيم. والدك كان رجلًا عظيمًا، وكان يوصيني دائمًا أن أسأل عنك من بعيد دون أن أتدخل في حياتك.
ابتسم إبراهيم باحترام وجلس.

فتح المحامي درجًا خشبيًا قديمًا، وأخرج ملفًا بني اللون، ثم وضعه على الطاولة.
قال بهدوء
هذا الملف بقي عندي اثنين وعشرين عامًا. وكان والدك شديد الحرص على ألا أسلمه لك إلا إذا رأيت بعيني أن الوقت أصبح مناسبًا.
تناول إبراهيم الملف ببطء، وفتحه.
كانت
بداخله مجموعة من العقود القديمة، وصور فوتوغرافية، ورسالة أخيرة.
قرأ إبراهيم الرسالة بصوت منخفض
يا بني…
إذا

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى