
كان إبراهيم السالم رجلًا عُرف بين الجميع بطيبته واجتهاده. بدأ حياته عاملًا بسيطًا في ورشة نجارة صغيرة، وكان يقضي ساعات طويلة بين الخشب والمناشير حتى استطاع، بعد سنوات من التعب، أن يؤسس مصنعًا ناجحًا للأثاث أصبح من أكبر المصانع في المنطقة.
ومع مرور الوقت، توسعت أعماله، فاشترى عقارات، واستثمر أمواله بحكمة، حتى أصبحت ثروته تُقدَّر بعشرات الملايين.
ورغم كل هذا النجاح، لم يكن إبراهيم يتباهى بما يملك، بل كان يساعد المحتاجين سرًا، ويدعم الطلاب غير القادرين، ويتكفل بعلاج كثير من المرضى دون أن يعرف أحد.
وفي السادسة والخمسين من عمره، بدأت صحته تتراجع بسبب مرض خطير في القلب.
أخبره الأطباء أن حالته تحتاج إلى متابعة دقيقة وأدوية منتظمة، وأن أي إهمال قد يعرّض حياته للخطر.
دخل إبراهيم مستشفى دار الشفاء لإجراء فحوصات جديدة بعد أن شعر بآلام حادة في صدره وإرهاق شديد لم يعتده من قبل.
في صباح ذلك اليوم، كانت الأمطار تهطل بغزارة خارج المستشفى، بينما كان جهاز مراقبة نبضات القلب يصدر أصواتًا منتظمة داخل غرفته.
وقف طبيب القلب يتأمل نتائج الفحوصات، ثم قال للممرضة بهدوء
حالته دقيقة جدًا… يجب ألا يتعرض لأي ضغط نفسي أو مجهود، وسنراقبه على مدار الساعة.
أومأت الممرضة برأسها، ثم خرجت لتنفيذ التعليمات.
كان إبراهيم مستلقيًا على سريره ينظر من النافذة بصمت، يفكر في سنوات عمره التي مرت سريعًا، وفي المصنع الذي بناه بيديه، والعاملين الذين يعتبرهم جزءًا من عائلته.
وبعد قليل، دخلت زوجته فريدة تحمل حقيبة صغيرة وبعض الملابس النظيفة.
اقتربت منه بابتسامة هادئة وقالت
كيف تشعر اليوم يا إبراهيم؟
ابتسم لها ابتسامة خفيفة وأجاب
الحمد لله… دعوات الناس هي التي تُخفف عني.
جلست بجواره
لبعض الوقت، ثم أخبرته أن المحاسب اتصل ليطمئنه على سير العمل في المصنع، وأن كل شيء يسير كما اعتاد.
هز إبراهيم رأسه مطمئنًا وقال
أهم شيء ألا يتوقف رزق العمال بسبب مرضي.
وبينما كان الحديث يدور بينهما، طرق الباب شاب في الخامسة والعشرين من عمره يرتدي زي المسعفين.
قال بأدب
صباح الخير يا أستاذ إبراهيم… أنا طارق، وسأتولى مساعدتك في هذه الوردية.
ابتسم إبراهيم وقال
أهلًا يا بني.
منذ ذلك اليوم، لاحظ إبراهيم أن طارق لا يكتفي بأداء عمله فقط، بل كان يساعد المرضى كبار السن، ويبتسم للجميع رغم الإرهاق الواضح على وجهه.
وفي إحدى الليالي، رآه إبراهيم يخرج من المستشفى بعد انتهاء مناوبته، ثم يعود بعد ساعات قليلة ليبدأ وردية جديدة.
تعجب إبراهيم من ذلك، لكنه لم يسأله في ذلك الوقت.
كان يشعر أن وراء هذا الشاب قصة كبيرة… قصة يخفيها خلف ابتسامته الهادئة.
وفي صباح اليوم التالي، وبينما كان طارق يغيّر محلول العلاج، نظر إليه إبراهيم وقال بهدوء
يا بني… منذ متى وأنت تعمل كل هذه الساعات؟
توقف طارق للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه يتردد في الإجابة…
وساد الغرفة صمت قصير تنهد طارق وهو يثبت أنبوب المحلول في مكانه، ثم قال بصوت هادئ
أعمل ورديتين كل يوم منذ أكثر من عام.
رفع إبراهيم حاجبيه باستغراب وقال
ورديتان يوميًا؟ ألا ترهق نفسك؟
ابتسم طارق ابتسامة خافتة وأجاب
الإرهاق يزول عندما يكون هناك شخص ينتظرك ليعيش.
نظر إليه إبراهيم باهتمام، فسكت طارق للحظة قبل أن يكمل
أختي مريم تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، وتعاني من مرض في القلب منذ طفولتها.
الأطباء أكدوا أنها تحتاج إلى عملية دقيقة، وأنا أحاول جمع تكلفتها مهما طال الوقت.
ساد الصمت داخل الغرفة.
ثم قال إبراهيم بهدوء
ولماذا
لم تطلب المساعدة من الجمعيات؟
هز طارق رأسه وقال
طرقت أبوابًا كثيرة، وبعض الناس ساعدوني بما استطاعوا، لكن المبلغ ما زال كبيرًا. لذلك قررت أن أعتمد على الله ثم على عملي.
ابتسم إبراهيم بإعجاب وقال
قليلون هم من يتمسكون بكرامتهم في هذا الزمن.
ابتسم طارق وقال
الكرامة لا تمنع الإنسان من قبول الخير، لكنها تمنعه من الاستسلام.
أعجب إبراهيم بكلامه، ومنذ ذلك اليوم أصبح ينتظر مرور طارق كل صباح، لا ليتلقى الدواء فقط، بل ليتحدث معه دقائق قليلة تنسيه ألم المرض.
وفي المقابل، كان طارق يرى في إبراهيم رجلًا مختلفًا عن رجال الأعمال الذين اعتاد أن يسمع عنهم.
فكلما دخل عامل من عمال المصنع لزيارته، كان إبراهيم أول ما يسأل عنه هو أسرته وأولاده، ويطمئن على أحواله قبل أن يسأل عن المصنع.
وفي أحد الأيام، دخل إلى الغرفة رجل في الستين من عمره يحمل باقة زهور بسيطة.
ما إن رآه إبراهيم حتى ابتسم قائلًا
عم حسن… لماذا تركت المصنع وجئت؟
اقترب الرجل وعيناه تلمعان بالامتنان وقال
وكيف لا آتي؟ أنت وقفت بجانبي عندما مرض ابني، وسددت مصاريف علاجه دون أن تخبر أحدًا. أقل ما أفعله هو أن أطمئن عليك.
ابتسم إبراهيم وقال برفق
الحمد لله أن ابنك أصبح بخير، هذا أهم من أي شيء.
كان طارق يقف في زاوية الغرفة يستمع إلى الحديث، وكل دقيقة تمر كانت تزيد احترامه لهذا الرجل.
وبعد أن غادر عم حسن، التفت طارق إلى إبراهيم وقال
يبدو أن الجميع يحبونك.
ابتسم إبراهيم وهو ينظر من النافذة إلى المطر المتساقط، وقال
المال يذهب ويأتي يا بني… لكن الكلمة الطيبة والموقف الصادق يظلان في قلوب الناس.
وقبل أن يرد طارق، طرق أحد الأطباء الباب ودخل وهو يحمل ملف الفحوصات الجديدة.
نظر إلى إبراهيم بابتسامة مطمئنة، ثم قال
ظهرت
نتائج التحاليل… وهناك أمر مهم أريد أن أتحدث معك بشأنه.
نظر إبراهيم إلى الطبيب باهتمام، بينما شعر طارق أن ما سيقوله قد يغيّر مجرى الأيام القادمة أغلق الطبيب الملف بهدوء، ثم جلس على المقعد المقابل لسرير إبراهيم.
وقال بنبرة مطمئنة
لا أريدك أن تقلق قبل أن تسمعني حتى النهاية.
حبس إبراهيم أنفاسه، بينما وقف طارق في مكانه ينتظر ما سيقوله الطبيب.
تابع الطبيب
صحيح أن عضلة القلب ضعفت خلال الفترة الماضية، لكن نتائج الفحوصات الأخيرة أظهرت أن حالتك أكثر استقرارًا مما توقعناه. سنحتاج إلى تغيير خطة العلاج والالتزام بها بدقة، لكن هذا يمنحنا فرصة جيدة لتحسين وضعك.
تنفس إبراهيم بارتياح وقال
الحمد لله… كنت أخشى أن تكون الأخبار أسوأ.
ابتسم الطبيب وقال
الإرادة النفسية جزء مهم من العلاج، وأنت تملكها.
ثم أوصى الممرضة بإحضار جدول الأدوية الجديد، وأكد على ضرورة عدم تناول أي دواء إلا بعد مراجعته من الفريق الطبي.
غادر الطبيب، وبقيت كلماته تتردد في ذهن إبراهيم.
كان يشعر لأول مرة منذ أيام أن الأمل ما زال موجودًا.
وفي عصر ذلك اليوم، طلب من سكرتيره الخاص، خالد، أن يزوره في المستشفى.
وصل خالد بعد ساعة يحمل حاسوبه وبعض الملفات.
قال إبراهيم
كيف تسير الأمور في المصنع؟
أجاب خالد
الإنتاج مستمر، والعمال يسألون عنك كل يوم. الجميع ينتظر عودتك.
ابتسم إبراهيم وقال
هذا يطمئنني.
ثم فتح خالد أحد الملفات وقال
لدينا مشروع كبير عُرض علينا قبل أسبوع، لكنني فضلت تأجيل القرار حتى تعود.
أخذ إبراهيم يقلب الأوراق ببطء، ثم قال
لا تتعجلوا في أي توقيع. راجعوا كل التفاصيل بدقة، فالسمعة تُبنى في سنوات وقد تضيع في لحظة.
هز خالد رأسه موافقًا.
وقبل أن يغادر، قال بتردد
بالمناسبة… هناك رسالة
وصلت إلى مكتبك منذ يومين، لكنها لم تحمل اسم المرسل، فقط كُتب عليها تُسلَّم
